و اجهض ولادة الائتلاف الحكومي .. كيف أربكت مناورة حركة الشعب الجميع؟


في الوقت الذي انتظر فيه التونسيون هدية عيد الميلاد باعلان تشكيل الحكومة وانهاء حالة التردد السياسي والاقتصادي الحاصل سارعت الاحزاب المشكلة للمفاوضات لإعلان الانسحابات ومزيد توتير الوضع العام.اعلان الانسحاب شكل منعرجا في تحولات المشهد بعد ان كان الامر يوحي بالاستقرار وهو ما لم يتم اثر تفاجؤ المتابعين لسباق تشكيل الحكومة بالهروب الجماعي لاحزاب التيار الديمقراطي وحركة الشعب ولاحقا تحيا تونس من الفعل المشترك للحكم والالتجاء الى مربع المعارضة.
مبررات الاحزاب الثلاثة تبدو منطقية بالنسبة للثلاثي المفاوض رغم حجم التنازلات السياسية التي قدمها رئيس الحكومة المكلف الحبيب الجملي وحركة النهضة على أمل تجاوز النقاط الخلافية وتأسيس قاعدة صلبة تجمع كل الاطراف ولكنها مزاجية بالنسبة لمجموعة الضفة المقابلة واساسا الوسيطين في التفاوض جوهر بن مبارك وحبيب بوعجيلة.وأثار الهروب الجماعي للاحزاب الثلاثة من المشاركة في حكومة الحبيب الجملي عدة أسئلة خاصة وان التيار حصل على ما يبدو على كافة شروطه منها وزارة العدل مع إلحاق الشرطة العدلية من الداخلية الى العدل اضافة الى وزارة الإصلاح الإداري.واذ حقق “مصباح حركة النهضة”السحري مطالب التيار فان الاخير خير الانسحاب بعد الاتفاق المبدئي على الحكم المشترك وهو ما كشفه جوهر بن مبارك امس خلال مداخلة إذاعية على أمواج اذاعة شمس اف ام. أهداف خارج المرمى وقال بن مبارك ان سلسلة التفاوض توصلت “إلى صيغة وفوّتنا الفرصة على تونس” واضاف “ان التيار الديمقراطي أتيحت له الفرصة بأن تكون لديه الآليات الضرورية لمكافحة الفساد، لكنه فوّتها على نفسه”.واذا ما كان موقف بن مبارك -القريب من التيار والرجل الاول في الحملة الرئاسية لزعيم التيار محمد عبو – معارضا للتوجه الذي اتخذه المكتب السياسي للحزب برفضه المشاركة في الحكومة وإغلاق الباب نهائيا رغم علامات الإفراج التي ظهرت قبل الاعلان الاخير، فان ذلك تأكيد على تخوف حقيقي من قبل التيار من دخول معترك الحكم.ويبدو ان ذلك مفهوم نسبيا ،فالتيار لم يكن يتخيل للحظة ان يكون في الواجهة السياسية والبرلمانية بـ22 نائبا ، بما يعني ان التيار ليس مهيئا للحكم بقدر استعداده للمعارضة ، حيث هي اسهل له لضمان البقاء كفاعل سياسي من المشاركة في حكومة التي تُدار باكراهات ورهانات كبرى.ولَم تكن خشية التيار من الحكم نتيجة الخوف من الممارسة فحسب ، بل امتزج تخوفها ايضا من التفتت في ظل تعارض الهُويات داخل الحزب وانقاسمها بين رغبة في المشاركة وهو ما عبر عنه الامين العام غازي الشواشي والذي أكد الاربعاء الماضي عن استعداد التيار للحكم وقبوله بالمقترحات الجديدة للنهضة وللجملي واصطدامها باغلبية داخل المكتب السياسي باعلان الرفض. حركة الشعب …الوقت الضائع حسابات التيار لم تكن بمعزل عن تقاطعات حركة الشعب التي سعت منذ بداية التحضير للمفاوضات للهروب الى الامام وتأسيس حواجز تمنع الوصول الى أي اتفاق ،بغاية الفشل وإضاعة الوقت والفرصة والمرور الآلي “للخطة ب “من المفاوضات بإدخال رئيس الجمهورية قيس سعوفِي الواقع فان هذا البناء لم يكن على قاعدة صلبة رغم بوادر حسن النية التي أظهرها الجملي ومن ورائه حركة النهضة بغاية تجميع قوى الثورة في الحكم دون إقصاء أوتجاوز الا ان مناورة حركة الشعب نجحت في ارباك الجميع وألقت بتأثيراتها على الاستقرار،ففي الوقت الذي انتظر فيه التونسيون حكومة كفاءات قوية وفاعلة تلاشى هذا الحلم مجددا لفائدة مرحلة حكم قادمة سيختلف المتابعون بالضرورة في تفكيك وفهم تفاصيلها.بيانات التبريروفي محاولة لتبرير موقفيهما من الانسحاب أصدر التيار بيانه امس الاول الاحد والذي اكد فيه ” تفاعل التيار الديمقراطي بجدية وإيجابية أثناء كل جولات النقاش رغم أجواء عدم الثقة التي ترسّخت بتذبذب مواقف بعض الشركاء وتقلبها”.وبين ” بأنه لم يتلق أي عرض جدي يوضح دوره في الحكومة إلا يوم 16 من الشهر الجاري استأنف على إثره المشاورات وحدد موقفه بعد ستة أيام وأعلم به السيد رئيس الحكومة المكلف” داعيا ” إلى أن تتشكّل الحكومة في أقرب وقت متمنيا لها ولرئيس الحكومة المكلف التوفيق في مهامها، معلنا أنه سيعمل على أن يكون معارضة نزيهة وجدية ومسؤولة”.كما جاء بيان المجلس الوطني لحركة الشعب حول مسار مشاورات تشكيل الحكومة حاملا لمبررات الانسحاب ،وأرجع الحزب ذلك الى: – عدم جديّة مسار التفاوض.- الامتناع عن الاستجابة إلى الحدّ الأدنى المطلوب من مقاربة حركة الشعب للحكم وما تتطلبه المرحلة من خيارات اقتصادية واجتماعية تحقق طموحات التونسيّات والتونسيّين وتؤمّن سيادة القرار الوطني.- إصرار رئيس الحكومة المكلف على تعويم تركيبة الحكومة بالمستقلين مما يحول دون مساءلتها سياسيا.- رفض رئيس الحكومة المكلف مقاربة حركة الشعب في خصوص:1- عدم التفويت في المؤسّسات العمومية.2- مراجعة استقلالية البنك المركزي.3- مراجعة اتفاقيات الشراكة والعقود المخلة بمصالح الاقتصاد الوطني.واذا ما نجح الشعب التونسي في افتكاك الحكم من “المخزن” وإهدائها الى الشق الثوري رغم اختلاف تلويناته فان احزاب الثورة اكدت رفضها للهدية لتعيد الكرة راضية مرضية الى ملعب ما قبل منجز17 ديسمبر14 جانفي. الانحناء للعاصفة واذ أغلق التيار والشعب الأبواب على الاقل حتى كتابة هذه الاسطر أمام المشاركة في الحكم فان تحيا تونس ترك الأبواب مفتوحة نسبيا رغم قولها بالانسحاب من مشاورات التشكيل الحكومي وهو ما بينته النقطة الاخيرة في البيان الصادر عن المجلس الوطني للحزب والذي اقر صراحة”يفوض المجلس الوطني لرئيس الحركة -يوسف الشاهد- متابعة المستجدات على الساحة السياسية للتفاعل مع تطور الأوضاع”.ويكشف الموقف الصادرعن تحيا تونس ان الحزب لم ينه العلاقة مع الجملي بشكل نهائي وهو ما يعني امكانية التطلع الى فرصة أخرى لتحسين شروط التفاوض والترفيع في عدد منتسبي الحكومة القادمة بما يخدم الحزب في ضمان استقطابه للسياسيين وبناء العائلة الوسطية.كما ان جلوس تحيا تونس على كرسيين في آن واحد قد يمكنه من أسبقية سياسية على حساب ما قُدم للتيار وحركة الشعب من حقائب.واذ يبقى ما سبق مجرد قراءة فان ذلك لا يمنعها من الخطا اذا ما اقرينا برغبة الشاهد في مواصلة الحكم لا كرئيس حكومة تصريف اعمال بل كرئيس حكومة مصلحة وطنية.ويراهن التحياويون على اقناع رئيس الجمهورية بان الشاهد قد يكون الشخصية الأقدر وقد برز ذلك مع حالة التماهي والتوافق بين قيس سعيد ويوسف الشاهد وهو ما يؤكد على ان الشاهد يمارس سياسة الانحناء حتى تمر العاصفة.

المصدر: الصباح

Facebooktwitterredditpinterestlinkedinmail